رواية الوفاء والجرح الذي لا يُدفن

ما أقسى عطب التهمة حين تتحول ضربة واحدة إلى كائن غريب ومحروم من الحياة. أنا الذي عاهدت نفسي إن خرجت من هذا المكان الموبوء، أن أقبل على الحياة بلهف. ما أروع أن تشعر بالحياة داخل القبو الذي جلبك إليه غدرًا.

تستعيد رواية ستانغولا لليامين بن التومي مآسي أجيال متعاقبة، وتبعث برسائل تتجاوز حدود الحكاية لتلامس الذاكرة الوطنية وما تختزنه من جراح لم تندمل. فمن التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر إلى معتقلات العشرية السوداء، تتشكل الحكاية عبر شخصيات ممتدة من الجد إلى الابن والحفيد، في محاولة لإعادة بناء تاريخ العائلة والوطن على حد سواء، ومحاولة لفهم ذاكرة مثقلة بالمآسي التي توارثتها الأجيال.

تقوم الرواية على مشاهد تتخللها صور الاعتقال والتعذيب والسجن، مستحضرةً صورًا من العنف الذي طال أجيالًا من الجزائريين. ويستند بناؤها السردي إلى الذاكرة والأرشيف والجرح المزدوج؛ فهي لا تكتفي بإدانة جرائم الاستعمار، بل تضع أيضًا ممارسات الدولة «الوطنية» إبان العشرية السوداء تحت المجهر، لتكشف عن جراح تتجدد في سياقات تاريخية مختلفة.

وتغدو رقان، في هذا السياق، فضاءً تتقاطع فيه ذاكرات الأجيال، ومكانًا تستعيد فيه التجارب التاريخية المتباعدة بعضًا من صور الألم الإنساني. ومن هنا تتجلى مفارقة لافتة تتعلق بالعلم نفسه؛ فبينما يُدان الشاب - في المعتقل - ويُقتل بتهمة الكفر والتنجيم، تستخدم فرنسا المعرفة العلمية في تجاربها النووية المدمرة والتي هزّت الإنسانية. بهذا يضع النص مفهوم العلم أمام مساءلة أخلاقية، كاشفًا عن التناقض بين المعرفة حين تُستعمل أداةً للفهم، والمعرفة حين توظَّف في الإقصاء والتدمير.

لا تتوقف الرواية عند هذه المفارقة، بل ترسم، من خلال شخصياتها، شبكة من الثنائيات المتشابكة: الحياة والموت، الحقيقة والألم، الواقع والروحانية. وهي ثنائيات لا تؤدي وظيفة موضوعية فحسب، بل تسهم في تشكيل العالم الروائي وتوجيه مساراته وتحديد الشخصيات الروائية بدقة.

إضافةً إلى ذلك، تستدعي الرواية مفهوم الذاكرة والمقاربة ما بعد الاستعمار، من خلال تحويل المكان إلى حامل لآثار الماضي، وإعادة النظر في الروايات التي أخفتها الذاكرة أو همّشها التاريخ. وهذا ما يفتح أمام القارئ أفقًا أوسع للتلقي، ويتيح له قراءة الحكاية بوصفها استعادةً لتجارب إنسانية وتاريخية تتجاوز حدود الفردية.

يمتاز البناء السردي في رواية ستانغولا بصدق عاطفي واضح في تصوير المشاهد واستحضار الألم، كما تكشف الرواية عن غاية إنسانية تتصل بمقاومة النسيان واستعادة ما طُمس من الذاكرة. غير أنّ هذا الصدق لا يحول دون ملاحظة ميل النص، في بعض المواضع، إلى التصريح بالمشاعر بدل تركها تتولد من المشاهد والأفعال. فالقارئ غالبًا ما يتفاعل مع العاطفة التي يستنتجها بنفسه أكثر من تفاعله مع تلك التي يشرحها له النص مباشرة.

حين تتحول الصحراء إلى ذاكرة

لعبة التاريخ ظاهرها قذرة ولكن مصائرها غريبة.

يشكّل الرمل - أو الصحراء - إحدى الصور المركزية في الرواية، إذ تتعدد دلالاته بتعدد الأحداث والشخصيات. ففي مشاهد الهروب من المعتقل، يجسد الرمل ذلك الساتر الذي يحمي الهاربين، ويخفي آثارهم، ويمنحهم فرصة للنجاة. يكتسب هذا «الطمس» دلالة أخرى حين نربطه بموضوع الرواية الأساسي وهو موضوع الذاكرة التي تحتاج إلى من يوثّقها ويحميها من المحو.

من جهة أخرى، يشكل الرمل رمزًا لمحو آثار الجرائم ودفن الشهادات. ومن هنا تتشكل مفارقة المكان؛ إذ يجمع بين الحماية والتهديد، وبين النجاة والضياع، وبين ما يُخفى حفاظًا على الحياة وما يُخفى حتى لا يُستعاد التاريخ ناهيك عن البعد الروحاني.

لا تبقى الصحراء مجرد إطار جغرافي للأحداث، بل تتحول إلى ذاكرة مثقلة بالعنف، وإلى قبر شاسع بلا شاهد، تتقاطع فيه مصائر الإنسان وآثار التاريخ. إنها المكان الذي يحتفظ، على اتساعه وصمته، بما عجزت الذاكرة عن نسيانه وما لم يجد طريقه بعد إلى التوثيق.

ويحتل الجسد بدوره مكانة أساسية في بناء الشخصيات، إذ يحمل آثار العنف التاريخي ويكشف ما تتركه التجارب القاسية في الإنسان. فمن التشوه الذي خلّفته التجارب النووية إلى الأذى الناجم عن الاعتقال والتعذيب، يصبح الجسد - الوجه وذلك الشيء - شاهدًا على الألم ووسيلةً يستعيد النص من خلالها مآسي التاريخ في صورتها الأكثر التصاقًا بالإنسان.

لا تبقى الصحراء مجرد إطار جغرافي للأحداث، بل تتحول إلى ذاكرة مثقلة بالعنف، وإلى قبر شاسع بلا شاهد.
— عادل مصطفاي

وفي مقابل هذا الثقل، يمنح الكاتب عالم الرواية بعدًا روحانيًا يفتح أمام الشخصيات والقارئ أفقًا آخر لمواجهة الألم. ويتجسد ذلك في شخصية «يلّف» التي تمثل أحد وجوه هذا البعد الروحي. وعلى الرغم من أنّ الشخصية لم تحظَ بحيز سردي كافٍ، فإنّ حضورها قد ترك أثرًا واضحًا في تشكيل العالم الروائي، ويكشف عن رغبة النص في استحضار الذاكرة الشعبية بوصفها مصدرًا للمعنى والعزاء، وربما طوق نجاة حين تعجز الوقائع عن تقديم أجوبة كافية.

تتميز لغة اليامين بن التومي في ستانغولا بالوضوح والانفعال، وتعتمد على خطاب يربط بين الأجيال، من خلال العلاقة بينها، وما تحمله من توتر بين البحث عن الحقيقة ومواجهة الألم، وبين الذات والآخرين.

كما يوظف الكاتب التشبيهات الحسية التي تمنح المشاهد كثافة تصويرية، وتربط التجربة الإنسانية بالمكان وتفاصيله، كما في تشبيه الرمل بسوط شيخ الجامع. وتساعد هذه الصور على جعل البيئة الصحراوية جزءًا فاعلًا في التجربة السردية، لا مجرد خلفية تتحرك الشخصيات في فضائها.

وتبرز القوة العاطفية للرواية في عدد من الفصول والمقاطع، خاصة في فصول «الجد بوشارب»، «ذاكرة القيامة»، «ذاكرة الاعتقال»، «أيام المعتقل السوداء»، «حكاية الأم ورجل بارد». ففي هذه المواضع تتكثف آثار العنف والذاكرة، ويتحول السرد إلى وسيلة لاستعادة التجارب التي تركت ندوبها في الأفراد والأجيال.

ومن خلال هذه اللغة، تصبح الرواية رسالة وفاء تتجاوز العلاقة بين أفراد العائلة لتلامس الذاكرة الوطنية الجماعية، وتكشف عن الجروح التي تصل بين تجربتين تاريخيتين مختلفتين: عنف الاستعمار وعنف العشرية السوداء. فالذاكرة هنا ليست استعادة للماضي فحسب، بل محاولة لفهم آثاره الممتدة في الحاضر.

لا مكان لي سوى مكتبة القرية التي كنت أقضي فيها تعبي ونهمي، وأحرق في صفحات كتبها المتراكمة والمتراصفة غيظي وحنقي ودمعي الذي يسقط أسئلة تحرق كل شيء.

ومع ذلك، يمكن تسجيل ملاحظة تتعلق ببناء الشخصيات وأصواتها السردية؛ إذ يتقاسم الأب والابن معجمًا لغويًا متقاربًا، وهو ما قد يعكس العلاقة بينهما ووحدة الذاكرة التي يحملانها. غير أنّ هذا التشابه، إذا لم تصاحبه فروق واضحة في الإيقاع والتعبير وطريقة إدراك الأحداث، قد يضعف التمايز بين الصوتين. فالشخصيات التي تختلف في خلفياتها وتجاربها يُفترض أن تترك أثرًا، ولو نسبيًا، في لغتها وانفعالاتها واستجابتها لما تواجهه من أحداث. هذه الملاحظة لا تنتقص من قدرة الرواية على بناء عالمها العاطفي، بقدر ما تشير إلى جانب فني كان من الممكن أن يمنح أصوات الشخصيات مزيدًا من الخصوصية والتنوع.

بالإضافة إلى هذه الملاحظة، كان النص سينتقل إلى بعد جديد لو أثرى الكاتب السرد الروائي بالوثائق التاريخية التي تخدم الحبكة والشخصيات، كشهادات حية أو تجارب حقيقية أو أي مستندات يمكنها إثراء النص ومنحه بعداً جديداً.

الذاكرة في مواجهة النسيان

لا تكتفي ستانغولا باستعادة تجربة إنسانية مثقلة بالألم، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الذاكرة والنسيان، والإرث الذي تحمله الأجيال، ومعنى الوفاء للموتى والأحياء، وعلاقة الإنسان بالمكان وبالموت.

ينحاز النص إلى واجب الذاكرة، بوصفه فعلًا لمقاومة النسيان واستعادة ما حاول التاريخ طمسه أو تجاوزه. فالكتابة هنا ليست مجرد حكاية، إنما هي محاولة لإعادة فتح الملفات المغلقة، وإعادة الاعتبار إلى التجارب التي لم تجد طريقها إلى الذاكرة الجماعية إلا عبر الشهادات الفردية والحكايات المتوارثة.

ستانغولا هي حكاية تاريخ لم يُروَ كاملًا، ومحاولة لفهم حقيقة قد يفضّل كثيرون الصمت حيالها. وبين الأرشيف والذاكرة الشعبية، وبين العنف والروحانية، يبحث النص عن معنى يمكن أن يمنح الألم مكانًا في الحكاية، ويمنح الضحايا فرصة للهروب من كونهم مجرد أسماء غائبة في سجل التاريخ.

إنّ الثنائيات التي تتشكل منها الرواية، من الحياة والموت إلى الذاكرة والنسيان، الواقع والروحاني، ليست مجرد تقابلات فكرية، بل هي جوهر عالمها السردي وروح النص. فمن خلالها يرسم الكاتب علاقة الإنسان بماضيه، ويكشف كيف تستمر الجراح في الانتقال من جيل إلى آخر رغم كل شيء.