أعترفُ بدايةَ الأمر أنّه لم يكنْ سهلاً عليّ قراءةُ هذا النّصّ من داخلِ جنسٍ روائيٍّ واحد؛ ذلك أنّها تأخذُ من الرّواية البُوليسيّة آليّات الجريمة والكشفِ والتّحقيق، وتستعيرُ من الرّواية النّفسيّة قلقَ الشّخصيّات وتصدُّعها الدّاخلي، حتّى أنّني وجدتُها تستدعِي الذّاكرة التّاريخيّة (الجزائريّة) جاعلةً من الجريمةِ الفرديّة امتدَادًا لجريمةٍ أكبر من حدُودِ شخصيّاتها. ولعلّ هذا التّداخل هو ما يمنح لرواية حتّى الملائكة تموت مشروعيَّتها السّرديّة الأساسيّة؛ في كونها رِواية عن المَوت حين يَتجاوز الجسد لِيصير ذاكرة حيَّة، وَعن العُنف حين لا يَكتفي بقتلِ الضّحيَّة فقط، وإنّما يعيدُ تشكيل من نجا مِنها.

إذن هنَا نقفُ أمام سؤالٍ مركزيٍّ ألا وهو: ما هي الخلفيّاتُ التي تصنعُ القاتل؟ ومتَى تتحَوّلُ الضّحيّةُ إلى نسخةٍ أخرى من جلاّدها؟

مُنذ العتبة الأولى، يضعُنا الكاتب «رُشدي عرقوب» أَمام تصوُّر متأزّمٍ للإنسان؛ فعندمَا يقول في الإهداء: «إلى كلِّ الأطفال الذين قُتلوا، لقد فاتنَا أن نكُون ملائكةً مثْلكم!» (ص5)، ثمَّ يردفُ عبارة: «البشريَّة تعِيش الآن وضعًا رديئًا؛ لأنَّنا جميعًا أبناءُ القاتِل قابيل» في الصّفحة السّادسة، يُحيلنا كقرّاء إلى مفتاحٍ تأويليٍّ نستطيعُ من خلالهِ قراءةَ الرّواية كاملة، ألا وهوَ حتّى الملائكة تموت.

إنّ العنوانَ في نظري يحمل مفارقةً مركزيّة بُنيَ عليها هذا العَمل، فإذا كانت الملائكةُ بما تدلُّ عليه من طهرٍ وبراءة قابلةً للموت، فماذا يبقى للإنسانِ الذي أثقلتهُ الجريمة والانتقامُ والحربُ إذن؟

حتّى الملائكة تموت ليس مجرَّد إعلان عن هذا الموت، إنّما هو بالنّسبة لي إيحاء بانهيارِ فكرةِ البراءة ذاتها، ولهذا وجدتُ أنّ العبارةَ المُقتبسةَ في بدايةِ الرّواية عن قابيل، قد أتى بها ليضعَ المُتلقّي أمام سؤالِ الشَّرّ الإنساني وهو في غايةِ الأهميَّة: هل الجريمةُ استثناءٌ في تاريخِ البشر؟ أمْ أنّها وجهٌ أصيلٌ من وجوهِهم الكثيرة؟

مِن مجزَرة القَرية إلى جرِيمة المدِينة

يضعُنا الكاتبُ في بداية روايته أمَام مشهدٍ شديدِ العنف، ليجدَ القارئُ نفسه في قلبِ مجزرةِ سيدي مُوسى (سيدي الرَّايس)... إنّه لا يمنحُنا فرصةَ الاستعدادِ النّفسيّ حتّى، ولقد كانَ هذا المَشهد بالنّسبة لي جرحًا تأسيسيًّا سيظَلُّ قائمًا ومفتوحًا حتّى آخر هذا العمل. وفي هذا المَوضع يقُول الكاتبُ:

لَقد كانت تِلك الرَّأسُ للشَّيخ الهَادي تُمطر دمًا فوق الأرْض.

ص8

ثمَّ لا يلبثُ حتّى يأتِينا بصورِ الذّبح والخَطف واقتلاعِ الرُّؤوس، وصولاً إلى رأسِ «نبيل» الذي تحملهُ الأمُّ بين يديهَا.

لقدْ نجحَ الرّوائيّ هنا في تحويلِ الجريمةِ الجماعيَّة إلى تجربةٍ فرديّة؛ لأنّ الطّفلَ الذي يختبئُ داخل صندوقِ الموتى لا يرى التّاريخَ بوصفِه خبرًا صحفيًّا مثلاً، إنّما يخْبَرُه من خلالِ خوفِ أمِّه ورأسِ أبيه واختفاءِ «سُعاد» وحتّى موت أخِيه «نبيل»، والقارئُ لهذا النّص سيدركُ أنّ الخَابِر ليسَ كالعيَان. ولعلَّ هذه النّقطة هيَ من أهمِّ ما في هذا العمل؛ فالعشريّةُ الدَّمويَّة لم تكُن في ذاتها خلفيَّة سياسيَّةً جامدة، وإنّما تجاوزتْ ذلك إلى كونهَا تدخُل في تكوينِ جانبِ الشّخصيّاتِ النَّفسيّ.

إنَّ الموتَ في رواية حتّى الملائكة تموت لا يفنى منتهيًا بدفنِ الجسد؛ بل إنّه ينتقلُ إلى الذّاكرة، حتّى إنّه لا يتوقَّف هنا أيضا، بل يستمرُّ في الانتقال من الذّاكرة إلى السّلوك، ومن السّلوكِ إلى توليدِ الرَّغبةِ في الانتقام. هنا أقول إنّه يمكنُ للقارئِ أن يقرأَ هذا العمل كلّه بوصفهِ رحلةَ انتقالِ العُنف من جيلٍ إلى آخر، وهنا أستحضرُ قول السّارد:

سنظلُّ جميعًا نحملُ هذه الذّكريات حتّى الممات.

ص10

الشّخصيّات والجريمةُ كسِيرةٍ داخليَّة

لا تقُوم الشَّخصيّات في هذا العَمل على ثُنائيَّةٍ جَاهزة ومُتوقّعة من قبيلِ الخير والشَّر، وإنْ بدَا بعضُها في البِداية واقعًا في هذه الثُّنائيَّة، وإنَّما ستتكشَّف لنَا هذه الأخيرةُ تدريجيًّا باعتبارها شخصيَّات مأزُومة أخلاقيًّا ونفسيًّا على حدٍّ سَواء. وهذه في نَظري منَ الأمُور التي تمنَح الرِّواية قابليّتَها للتَّأويل؛ إنَّ الكاتب هُنا يَربط الفِعل بمسَارٍ نفسيٍّ طوِيل، ولا يقدّمُ لنا الجَريمة مُنفصلة عن ماضي مرتكبهَا.

نأتِي إلى شخصيَّة «كَمال» والتي نجدُها في مرْكز هذا البنَاء، والكاتبُ كما خبَرتُ من نصّه هذا لم يقدّمها بِوصفها شخصيَّة شرِّيرة وَحسب، وإنّما جعلهَا النَّموذج الأكثَر وضوحًا لتحوُّل الضَّحيّة إلى جلَّاد.

إنَّ «كمال» وباعتبارهِ أحدَ النَّاجين من مَجزرة الرَّايس، ظلّ المَاضي يعمل في داخله حتَّى تحوّل عندهُ البَحث عن العدَالة إلى مَشروع انتِقام. وقد لمستُ هذا في اعْترافاته المتأخِّرة إذْ يقُول:

لو كان أخُوكم نبِيل لفَهمتم الأمر، لَو كانت أمّي أمّكُم لفهمتم الأَمر.

ص271

والحقيقةُ أنَّ قيمةَ هذه العبَارة لا تكْمن في تبريرِ الجرِيمة، إنّما أهميّتُها عندي في كونِها تكشفُ منطق الشخصية؛ ذلك أنَّ هذا الأخيرَ (كمال) لم يرَ نفسه مجرمًا بالمَعنى الذي يَراه بهِ غيرهُ، وإنّما يرى نفسهُ امتدادًا للضَّحايا الذِين لم تُنصفهم العَدالة. وهنا سيتبدَّى للمُتلقّي كيفَ نَجح هذا النَّصُّ في إنتَاج مفَارقة أخلاقيَّة عمِيقة وهي: «كمال» يُعاقب المُجرمين، لكنّه حين يُمارس العِقاب خَارج القَانون سيُصبح هو نفْسه جزءًا من مَنظومة الجَريمة. وعندَ ذاتِ الأمر سيَكون بيِّنًا أنّ رواية حتّى الملائكة تموت لم تبقَ في خانةِ البحثِ عن حدُود وَاضحة بين القَاتل والضَّحيَّة، وإنّما تقفزُ بنا إلى خانةِ البَحث عن اللَّحظة التي يَعبر فيها أحدُهما إلى مَوقع الآخر.

بعضُ النّاس يموتونَ مرّةً واحدة، في حينِ يظلُّ غيرهُم من الأحياء يموتُون كلَّ يوم.
— كتاليا

وفي الجهَة المُقابلة نجدُ شخصيَّة «مُحمّد»، وقد وجدتُها أكثر اتِّزانًا في علاقتهَا بالتَّحقيق والمَوت، ولكنّها في ذاتِ الوقت ليْست محصَّنة ضِد أثرهمَا. إنّ الموتَ عندهُ يتجاوزُ كونهُ معلومةً جنائيّة إلى كونهِ تجربةً شخصيَّة تراكمَت بفقدِ كلٍّ من «ياسمِين» و«عَبد القادِر» وغيرهما، وهنا أستحضرُ قوله:

قد عرفتُ الموتَ في سنٍّ صغِيرة، وَأنا أعرفه اليوْم في سنٍّ كبيرة، وَعرفته في مُنتصف حياتي عندمَا فقدتُّ ياسمِين.

ص258

أمَّا «حميد» فقد وجدتُه يمثِّل زاوِية مختلفة؛ هذا الطّبيب الشَّرعيُّ الذي يتعاملُ مع الجسدِ بعد موته بغيرِ ما يُتعامَلُ به معه بوصفِه شيئًا منتهيًا، يقول الكاتب على لسانه:

ليْست كلُّ جثَّة نرَاها هي ميِّتة فَقط ولا تتكلَّم.

ص27

وهنا سيدركُ القارئُ أنّ مهنةَ هذه الشّخصيّة بالذّات ستتحوَّل إلى وظيفةٍ سرديَّة كونهَا تقرأ الجثث قراءةً ولا تكتفي بفحصِها.

إنَّ هذا التوزُّع لهذه الشّخصيّات بين ثلاثِ طرائق لمُواجهة المَوت: إذْ نجدُ «كمال» الذي يحَاول الانتقام منه، و«محمّد» الذي يحَاول فهمه، ثمَّ «حميد» الذي يسعى لقِراءته؛ يمنحُ للموت في نظَري أكثرَ من معنى... إنّ الموتَ في هذا العمل قوّةٌ تعيد تَشكيل الوَعي بدلاً من كونهِ مجرّد خاتمة.

الحاضرُ الذي لا ينفصلُ عنِ الماضِي

تَقوم الرِّواية من النّاحيةِ الزّمنيّة على التَّشظِّي والاستِرجاع؛ فالحَاضر البوليسيُّ لا يَستقيم دُون العَودة إلى المَاضي. وقد بدَا لي أنّ هذا العملَ يتعامَل مع الزّمن بوصفهِ دَائرة أكثرَ من كونِه خطًّا مستقيمًا، وهذا بيِّنٌ وظاهر في أنَّ ما حدث بالأمسِ يُعيد إنتاجَ نفسه اليَوم، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ الموت القَديم يُنتج موتًا جديدًا، حتَّى أنّنا سندركُ في هذا الموضعِ أنَّ الضَّحيّة السّابقة تصنعُ ضحيَّة لاحِقة. ولذلك حينمَا وجدتُ عبارة: «الإنسانُ سكينة، سكِينة كبيرةٌ وَفي بعضِ الأحيَان وحْش» (ص15)، قلتُ: «إنّها تلخِّص إلى حدٍّ بعيدٍ فلسَفة هذا النّص معَ الإنسان».

الجزَائر بينَ كونها خلفيَّة وشخصيَّة

مِن نقاط قوَّة هذا العَمل في رأيِي اشتغالُ الكاتبِ على المكانِ بجديَّة، وهذا لا يبدُو فقط في أنَّ الحيِّز الجزائرِي حاضرٌ بِكثافة (العَاصمة، باب الوَاد، القَصبة، حديقة التَّجارب، ساحة الشُّهداء، ساحة أودَان، قَسنطينة، باتْنة، خنشَلة، بُوشاوي، تيزي وزُّو...)، وإنّما هو بادٍ كذلكَ في عدم اكتفاءِ الكاتبِ بذكرِ الأمكِنة والعَملِ على منحها ذَاكرة قائِمةً وخاصّة، هنَا سنجدُ

وصف الصورة
تعليق اختياري