ثمَّة أشياءُ لا يمْلك الزَّمن سُلطانًا عليها؛ وجوهٌ يطوِيها الغياب ونفقدُها لسببٍ أو لآخر، غير أنَّ ظلَالها تظلُّ معلَّقة على جُدران الأمكنةِ كما هي عالقةٌ في الذّاكرة، وقدْ يكونُ للوَاحد منّا ردّة فعلٍ مقاومٍ لهذا الغيابِ والفقد يتبدّى لغيره في أشكالٍ مختلفة، وما دامَ منّا من يتذكّرُ ويروِي فإنّ الغائبَ لن ينقطع بصفةٍ نهائيَّةٍ عن هذا العالم؛ وإنْ غابَ جسدهُ ونُسيَ اسمه فإنّ الحِكاية بوصفهَا الأثر الأخير في مواجَهةِ المَحو باقية ودائِمة.

من هذهِ المنطقةِ الملتبسةِ بين جدليّة الذّاكرة وفعل النّسيان، وبينَ الحضورِ والغياب، يقدّم لنا الرّوائيّ الجزائريُّ «علي هجرَسي» روايتهُ المُعنونةَ بـسيرةُ الظّل كنَصٍّ يستدعي فيهِ الغائب، ويستنطقُ من خلاله المَكان، ويستردُّ بواسطتهِ الأسماءَ المنسيّة لمختلفِ الأشياء. من هذه النّقطة تبدَّى لي بشكلٍ بيِّنٍ أنّ هذه الرّواية لم تقُم على سؤالِ الحكايةِ ذاتها؛ إنّما هي مشروعٌ اشتغلَ فيه الكاتبُ على سؤالٍ أعمق ألا وهوَ: ما هوَ الباقي من الإنسانِ المُبتعدِ عن أرضه وأصله؟ لنصلَ في الأخيرِ حسبَ ما وَعيتُ من النّص بعد قراءتهِ الثّانية أنّ الكتابةَ في أصلها عندَ الكاتب استردادٌ لما غيَّبه الزّمن؛ وأنّ الحكاية عنده قد تكونُ آخر ما يُقاوَمُ به المحو.

اللّافتُ الذي وجدتهُ قد افتتح بهِ الكاتب نصّه هو قوله: «ثمّةَ حكاياتٌ لا تقدِر على حملِها الكتابة، فالصّمتُ أيضًا يحيَا بين السُّطور» (ص5)، وقد يجدُ فيها غيري من القرّاء وظيفةً استهلاليّة فقط، لكنّني أرى أنّ هذه الجُملة تضعُ القارئ منذ البدايةِ أمامَ مُفارقة مركزيَّة تقوم عليها هذهِ الرّواية وهي: «الكِتابة محاولةٌ للقول واعترافٌ في الوقتِ ذاته بعجزِ هذا الأخير (القول) عن استيفاءِ التّجربة كاملة»، هنا في نَظري يصبحُ «الظّل» بينَ البَينَيْنِ؛ إذ هو ليس حضورًا تامًّا ولا هو عدمٌ محض، وإنّما يكون صورةً لما بقيَ من الحكاياتِ بعد غيابِ أصحابها، وقد يكون كذلكَ أثرًا لا يفارقُ الذّاكرة طالبًا من يكتبهُ.

العنوان من الظّلِّ إلى سيرةِ الغائبين

يجمعُ لنا عنوانُ هذا العمل سيرةُ الظّل بين لفظتينِ اثنتَين؛ «السّيرة» التي تُحيلنا إلى التّاريخِ والحِكاية بما تَحمله من دلاَلاتِ التَّوثيق واستعَادة الماضي، و«الظّل» بما يَنطوي عليه مِن محوٍ وخفاءٍ واستبْعادٍ من دَائرة الظّهور، ومن اجتماع اللَّفظتين ينشأ تنَاقض دلَاليٌّ مقصود وهوَ: كيف تكُون للظِّل سِيرة؟ وكيف يُمكن لما هُو خفيٌّ أن يتحوَّل إلى تَاريخ مكتوب؟ هُنا عندَ هذا التّوتُّر سيخْبرُ القارئ ويعِي أنَّ السِّيرة ليست سِيرة بطل مُكتمل الحُضور، إنّما هي سيرةُ الذين عَاشوا في الهَامش ثمَّ غابوا دون أن يَتركوا وراءَهم شيئًا غيرَ الحِكايات.

ورغمَ أنَّ عنوانَ الرّواية سيرةُ الظّل جاء وفقَ بنيَة تركيبيَّة شديدةِ الاقتصاد إلاَّ أنّه يَحمل كثافَة دلاليَّة وَاضحة، لأنّني أدركتُ أنّ «الظّل» في النّهاية فضاءٌ رمزيٌّ للمنسيّين والمقصيّين، وقدْ يكونُ كذلك رمزًا دالاًّ على مختلفِ الأحداثِ التي لمْ تجدْ طريقهَا إلى الذَّاكرة الجماعيَّة، وبالتّالي فإنّه وبالنّسبة لي سيرةُ الظّل لا يشيرُ كعنوانٍ إلى شخصيَّة «نَاصر» وحده، بل هو دالٌّ على سيرةِ أشخاصٍ وأمكنة عاشوا في الهَامش ولم تُكتب ذاكرتهم الحقيقيَّة.

إنّ المطّلع على هذا النّص سيرى كيفَ تتبدّى لنا دلالةُ العنوان في نِهايتهِ حين يَقول «نَاصر» لـ«الحَاج سَعيد»:

احْفظ الحِكاية يا عمِّي سَعيد. هِي سيرةٌ كُتبت خِفية هنَا وَهناك، سِيرة المَنسيِّين في هذا العَالم، حكَايا عاشَت ومَاتت في الظّل، إنَّها سيرَة ظِلٍّ لم يرَها الكثِيرون.

ص157

وهُنا كانَ لزامًا علَيَّ أن أتوقّف، لأنّني وإنْ أُعجبتُ بكيفيّة تحوُّل العنوانِ إلى مفتاحٍ تأويليٍّ للنّصّ كلّه؛ إذ نجدُ «الظّل» معبِّرًا عن «الأبِ» الذي غاب و«مبَاركة» التي اختفى قبرها و«نَاصر» الذي عاش دَهرًا من عمره في السّجن وحتّى القرية التي ابتلعتْها العِمارات، غير أنَّه من الجِهة الأخرى يكشفُ لنا هذا الموضعُ فِي الوَقت نفسه عَن مأخذ فنِّي في بناء الدّلالَة؛ لأنّني أرى أنَّ هذه الرِّواية بعدما تتْرك للقارئِ فرصة اسْتنباط معنى «الظّل» عبْر الأحداث، تَعود لتصرِّحَ بالرّمز شارحةً إيَّاه شرحًا مُباشرًا. ولو كنتُ مكانَ الكاتبِ لآثرتُ أن يظلَّ معنى العنوان موزَّعًا في تلافيفِ السّرد دونَ الكشفِ عنهُ بهذه الصّراحة ليحتفظَ بطاقةٍ إيحائيّة أوسع.

الشّخصيّات بينَ الفردِ والجماعة، الذّاكرة وصناعة المَصير

تَتأسّسُ هذه الرّواية على مجموعةٍ من الشّخصيّات التي لا تُقدَّم كلّها بذاتِ العُمق النّفسي، وإنّما نجدُ وظائفها تتوزّعُ داخل البنيةِ السّرديَّة على حسبِ علاقتِها بذاكرةِ «ناصر» الذي يكونُ في مركزِ هذه المنظومَة.

إنَّ شخصيَّة «ناصر» في هذا العمَل متعدّدة الوظائف، إذْ إنّه الرّاوي تارةً والشّاهد والكَاتب تارةً أخرى. إنَّه الشّخصيّة المركزيّة التي نرى القريةَ والأب والعمّة «مباركة» والسّجن وفرنسا من خلالِ عينيْها، وبالتّالي فإنّ الروائيّ لم يقدّم لنا هذه الشّخصيّة بطريقةٍ تقليديّة بقدرِ ما جعلَ منها بؤرةً سرديَّة تلتقي فيها مختلفُ الأحداث الماضيَة وانفعالاتِها الحاضرة. ولقد وجدتُ في هذا الاختيار قدْرًا من الوحدةِ النّفسيّة؛ لأنّ شخصيَّة الرّاوي (نَاصر) لا تقدّم لنا العالم من الخارج، ونحنُ كقرّاء لن نستقبلَ الأحداث بصورة منفصلةٍ عن أثرها في ذاتهِ هو... بل تصلنَا بعد مرورِها عبرَ وعي الشّخصيّة وذاكرتِها. وهنَا وجدتُ أنّ هذا العمل يتّخذُ طابعًا ذاتيًّا واضحًا أينَ تصيرُ الأحداثُ الخارجيّة وقائعَ لا تكتملُ دلالتُها إلاّ من خلالِ أثرها في الذّات.

نصلُ بعدها إلى شخصيَّة «مباركة» إذ نجدُ قوله:

كانَت عمَّتي مباركة آخر شاهِد على زَمن لا يشبهنا اليوم.

ص7

وهي هُنا ليست مجرَّد شخصيَّة عائليَّة بسيطة، ولكنّها في الحقيقة جاءت لتؤدِّي وَظيفة الذَّاكرة الشَّفويَّة. «مباركة» هي حاملةٌ وحاميَة للذّاكرة الشَّعبيَّة، ووسيطٌ بين جيلِ «ناصر» والجيلِ الغائب، وبهذا كلّه أرى أنّ هذه الشّخصيّة تتجاوزُ حدودَ الفردِ إلى تمثيلِ جيلٍ كاملٍ عايشَ مختلفَ التّحولات التَّاريخيَّة والاجتماعيّة.

إنّ موتَ «مباركة» يعنِي فقدانَ ذاكرةِ جيلٍ كامل، لهذا عندَما يختفي قبرُها نجدُ أنّها باقيةٌ بحكاياتِها، وقد رَاقني كثيرا كيف جعَل هذا العَمل من الحِكايةِ قبرًا بديلاً للإنسان الذي لم يبقَ له قبرٌ يدلُّ عليه، وهي في نظري من أجملِ وجوهِ التّشكيلِ الرّمزِي فيه، وكأنَّ الكاتبَ يقولُ لنا إنّ هذه الشّخصيّة هي الذّاكرةُ الحيّة بدلَ «ناصر» الذي يمثّل الذاكرةَ المكتوبة، وبينَ هذينِ الاثنين يقعُ التّحوُّل تدريجيًّا من الحِكايةِ الشَّفويَّة إلى التّدوين والسّيرة المكتوبة.

ثمّةَ حكاياتٌ لا تقدِر على حملِها الكتابة، فالصّمتُ أيضًا يحيَا بين السُّطور.
— علي هجرسي

ومن أكثرِ الشّخصيّات إثارةً للاهتمامِ من النّاحيةِ الوظيفيّة شخصيَّة «الحبّة»؛ هذا السّجين الذي يحملُ اسمًا مُستعارًا سيتحوّل إلى أداةٍ تحفيزيّة للكِتابة، وهنَا يقول الكاتبُ على لسانِ «الحبّة» لـ«ناصر»:

أُكتب يا ناصر، ولا تنسَ أن تكتُب عنِّي. دوِّن الحِكاية كما هي. سَأكون آخر فصلٍ من الفُصول التي سَوف تكْتبها.

ص67

ويقوُل كذلك في موضعٍ آخر:

أكتب عنّي، عن اِسمي، الذي لَبسته داخل السِّجن.

ص75

وبِذلك تتحوَّل الشَّخصيّة (الحبّة) إلى ما يُشبه المرآةَ السَّرديَّة؛ لأنّها تَدفع الرَّاوي إلى كتَابة الآخرين، وفي الوَقت ذاته تكشِف له عن أنَّ الكثيرَ من النّاس يحملونَ قصَصًا لا تظْهر في ملامحهم البَادية الظّاهريّة، وهنَا تتّسع دائرةُ سيرة الظّل لتشملَ شخصيَّات أخرى غيرَ ناصر وعائلته.

أمّا «يحيى» والدُ «نَاصر» فقد استطاعَ الكاتبُ أن يمنحهُ عُمقًا خاصًّا في نهاية عمَله هذا، وذلك حينَ يكشفُ دفْتره سبب اختفائه؛ ومن ذلك ما جاءَ في الصّفحة 143 عندما يقول:

لم تكن الأرضُ وحدَها سبب الرَّحيل يا نَاصر، كانَ يمكنُني أن أعيشَ فقيرًا، ولكنَّني لم أقدِر على أن أحيَا مُهانًا.

ص143

هنا بعدَ هذا القول وجدتُني قادرةً على تفسيرِ الكثيرِ من سلوكيَّاتهِ السّابقة، وإن اعتبرتهُ في البِداية نموذجا آخر للغياب إلاّ أنّ هذا الاختفاء يؤسّس لأحد كُبرى محاورِ هذه الرّواية البَادي في «غياب الأب بوصفهِ جُرحًا تأسيسيًّا في وعي الابن»، هذا الابن الذي يظلُّ طوال الرّواية في حالةِ بحثٍ عن تفسيرٍ لهذا الغياب إلى أن يصل إلى الدّفتر كما سبقَ وذكرت، هنا عندَ هذه النّقطة تتغيّر معرفتهُ التي يمتلكُها عن أبيه.

لا أخفِي إعجابي بأسلوبِ الكاتب في الموضع الذي قالَ فيه على لسانِ يحيى:

الغُربة يا ناصر، ليست في البُعد عن الوطن، لا عن اللّحظة التي ودَّعت فيها نفسكَ ولم تعد.

ص144

إذْ جعل الغربَة تتعدّى مفهومَها على المستوى الجُغرافيّ لينتقلَ بنَا إلى مفهومها على المستَوى النّفسي؛ لأنّ الغربة الحقيقيَّة هي فقدُ الذّات واستمراريّتها.

إضافة إلى هذه الشّخصيّات نجدُ: «مرزاق» وهو الصّديق الذي يمنحُ لـ«ناصر» مساحةً للكلام بمشاركتهِ مختلف التّحوُّلات السِّياسيَّة. و«عمّي لخضر» وهو المُعادي لأسرةِ «ناصر» بسببِ مشكلةٍ متعلّقة بالأرض والعزلة، وهنا يقولُ الرّاوي:

صرنا في عُزلة عن القرية، وكلُّ ذلك من أجل قِطعة أرضٍ أراد أن يغنَمها مقابل جرَّار.

ص62

وبذلكَ نجدُ أنّ رواية سيرةُ الظّل لا تجعلُ الشّرَّ فردًا مجرّدًا، وإنّما توصِله بالبِنيةِ الاجتماعيّة التي تحكمها القوّة والمَصلحة.

لكنّني أعيبُ على الكاتب إهمال شخصيَّة «رزيقة»، فَرغم أهمِّيتها في تشكيلِ جرح «ناصر» العَاطفي، كان يمكن لهُ أن يَمنح لها مساحَة أكبر من التَّعقيد بدل بقائِها في مرَاحل عديدة مَحكومَة برؤية الرَّاوي لها، ثمّ إنّني وجدتُ أنّ انسحابَ بعضِ الشّخصيّات من المشهدِ بعد أدائها دورًا محدّدًا وإنْ كان لا يفسدُ البناء، ولكنّه في نظري يجعلُ التّفاوتَ ملحوظًا بينَ الشّخصيّات المركزيّة والشّخصيّات التي تبقى مرئيَّة من خلَال وعي «ناصر» فقط.

المكان والزّمان ثمَّ القريةُ والذَّاكرة بوصفهما طريقًا إلى الماضي

في روايَة سيرةُ الظّل للكَاتب «علي هَجرسي» نجدُ أنّ المكانَ (القرية) قد خرج من كونه إطارًا مُحايدًا للأحداث إلى كونه أحدَ أبطالها الحقيقيّين متجاوزًا وظيفةَ الاحتواء.

إنّ القريةَ في هذا العَمل لا تَبقى في صُورتها الأولى، بل تتعرَّض للمحوِ العمرانِيّ والوِجدانيّ، وبالتّالي يمكننا القَول إنّها كائن يتبدّلُ كما تتبدَّل الشّخصيّات، ولذلك حينَ يرجعُ «ناصر» إلى ذاتِ المكان لا يعودُ إلى تضاريس جُغرافيَّة واضحة وثابتة، وإنّما يعودُ إلى أطلالِ ذاكرةٍ منسيّة، وقدْ أحسنَ الكاتب تصوير اندثار القرية القدِيمة في قوله: «اختفَى القبرُ واندَثر الجميع، وبقيت الحِكايات منقوشَة في تفاصيلِ المَاجن، القريةُ التي ابتَلعت الحياة وخلّدتها الحِكاية» (ص7) ثمّ يقولُ كذلك: «القَرية اندثَرت تحْت معالم بِنايات جديدة» (ص11)؛ هنا وجدتُ كيف تبَدّت الماجن في صُورتين مُتعارضتين، الأولى قرْية قدِيمة تَسكنها الذَّاكرة، والثّانية قَرية جَديدة غزَتها الخَرسانة. ومن هنا تتحوَّل القريةُ إلى فَضاء للصّراع بين الذّاكرة والمَحو. البيْت القديم، الفأْس، المقبرة، الدُّكان، الحُقول، وحتى الحِمار، كلُّها علامات تَستعيد حَياةً غائِبة.

بعدَها تتّسعُ الخريطةُ المكانيّة إلى (مجّانة، السّجن، فرنسا...) متجاوزَة الوظيفةَ الوصفيّة للمكان إلى حاملةٍ لعلاقاتٍ اجتماعيّة واقتصاديّة كاشفةً عن بنيةِ المُجتمع الطّبقيّة.

نأتي إلى الزّمن الذي وجدتُه أكثرَ تعقيدًا من المكان، ذلك أنّ هذا النّص يتحرّك بصورةٍ غير خطّيَّة معتمدًا على الاسترجاعِ السّردي، ولأنّه لا يقوم على خطّة زمنيّة صارمة فإنّه يبدأُ من الحاضر ثُمّ تنفتح الذّاكرة على طُفولة «نَاصر» لتستدعي الماضي، ثمّ يأخذنا الكاتبُ إلى الجامعة وبعدها سيرةُ الأب وقبلها السّجن ليعودَ بنا إلى القرية والحاضر مجدّدًا.

إنّ هذا التّشظِّي الزَّمني مُناسب لطَبيعة التَّجربة التي تَرويها الرِّواية؛ ذلك أنّ الذّاكرة لا تعْمل وفق التَّسلسل الزَّمني الطَّبيعي، وإنَّما وِفق قَانون التَّداعي. فكلمةٌ واحدة قادرةٌ على فتح باب جديد إلى زمَن آخر، ولعلَّ القارئَ لهذه الرّواية سيتّفق معي إن قلتُ إنّ زمنها نفسيٌّ أكثر ممَّا هو كرُونُولوجي.

لكن وإن كانَ هذا التّداخل يخدمُ طبيعةَ التّجربة لكنّني قد وجدتُ في كثرةِ الاسترجاعاتِ في مواضعَ محدّدة (مقاطعُ تداخلِ أزمنةِ ناصر وأبيه) تجعلُ من الانتقالِ الزّمني تداعيًا حرًّا بدلاً من كونه انتقالاً محكمًا بيِّنَ المعالم.

الحبكة واللُّغة بين آليّة توزيع المَعلومات وتقنياتِ السّرد التّصويري

تقُوم حبكَة هذا العَمل في جَانب كبير منهُ على التَّأجيل السَّردي؛ ذلك أنَّ الكاتب لا يقدّم ما هو أساسيٌّ من المَعلوماتِ دُفعة واحدة، بل إنّه يؤجّل الكشف عنها قصدًا - ربّما - ونجدُ هذا في كلّ ما يتعلّق باختفاء الأب ودوافعِ مغادرته.

تنطلقُ الحبكة من سؤالٍ واحد: أين اختفَى الأب؟ ليتّسع إلى أسئلة فرعيّة عن الوطن والذَّاكرة وحتّى الكرامة.

يَعود ناصر إلى قريتهِ من أجلِ ترميم قبرِ عمّته «مباركة» ليجدَ نفسه أمامَ ماضي الأسرة واختفاء الأب وبعده السّجن وأخيرًا إلى العودة بعد سنوات، وفي هذا الموضعِ (الحبكة) وجدتُ العمل يعاني أحيانًا من فائض الأحداث الثّانوية التي تُعتّم على المحور المركزي، خاصّة في بعضِ المشاهدِ الحواريّة والتّفاصيل الجامعيّة والتي يمكن قصّها من غير أن يلحقَ ضررٌ بالبنيَة العامّة للعمل.

تعتمدُ رواية سيرة الظّل على التّبئير الدّاخلي؛ فالقارئُ لا يمكنهُ أن يَعرف العَالم إلاَّ بالقدْر الذي تَسمح به مَعرفة «نَاصر» وَذاكرته، وقد وجدتُ في هذا تفسيرًا منطقيًّا لكثرةِ العبارَات التي تُحيل إلى التَّذكر والاسترجاع. غير أنَّ هذه التِّقنية في نظري تفْرض على الرِّواية ضيقًا؛ إذْ تبقى الأحداث مَحكومة بوعي الرَّاوي وحده، وهذا ما يوصلنَا إلى ضيق مساحة التَّعدّد الصّوتي.

نأتي إلى لغةِ العمل التي وجدتُها في معْظمها واضحَة مَيَّالةً إلى السّرد التَّصويري، وقدْ أعجبني فيها كيفَ أنّها استفادت من المُفردات المحليَّة في الحوار دُون أن تجْعل اللَّهجة مانِعًا يحول دُون الفَهم. ويظهَر هذا الحسُّ التَّصويري في موَاضع كثيرة، مثل قولهِ عن الحقول: «القمح يَلمع تحت الشّمس كَذهبٍ مسْكوب» (ص88). وهي في ذاتها صُورة تقوم على المُشاهدة الحسيَّة ولا تحْتاج في نظري إلى كثِير من البَيان.

ولا يمكنُني تجاوزُ كيف أنّ حضورَ الكتابة داخل الرّواية قد منحَ للسّردِ بعدًا تأمّليًّا، فـ«ناصر» يكتبُ ثُمّ يُقرأُ ما كتبه ليصبحَ ما كتبهُ هو نفسه سيرة الظّل، وهذه الدائرة إن صحَّ تعبيري تمنحُ للرّواية وعيًا بذاتها وبفعلِ الكتابة على حدٍّ سواء.

ومع هذا فإنّني أرى أنَّ أجمل ما في اللُّغة هو حِين تتخفَّف من الشَّرح وتستغلُّ قُدرتها على تحْويل الأشياء الصّغيرة إلى علامات؛ فمثلاً عندما نجدُ في هذا العمل القبرَ الذي يختفي، والدّفتر الذي يُفتح، والكِتاب الذي يصل إلى بَاريس، سنخبرُ فائدة أن يتركَ السّرد للقارئِ نصيبهُ من التّأويل.

الكتابةُ كعلاجٍ وإعادة تشكيلٍ للذّات

إنَّ الكتَابة في هذه الرِّواية تؤدي وَظيفة علاجيَّة إلى حدّ ما، لأنّني وجدتُها قدْ ساعدت «ناصر» على تحويلِ الألمِ إلى مادّة قابلةٍ للقراءةِ والتّأمّل. غيرَ أنّ هذا العلاج لم يؤدِّ إلى شفاء تام؛ وذلك أنّ الرّواية تبلغُ خاتمتها حينَ يصلُ كتابُ «ناصر» إلى باريس منشورًا تحتَ عنوان سيرةُ الظّل، ومن أقوَى مفارقاتِ الخاتمة في نظري أنَّ «رزيقة» نَفسها تَظهر في باريس حَاملة نسخة من الكتَاب مخبرةً «ناصر» بأنَّ آلاف النُّسخ قد نَفدت. وهكذا نجدُ أنّ الكتاب نفسهُ يحملُ الماضي إلى المكانِ الجديد لِيعود هذا الأخيرُ (الماضي) في صُورة كتاب، لا مجرّدَ ذكرى فقط، وهنا يقول الكاتبُ على لسان الشّخصيّة:

لم يَعد يجمعُني بذلك العَالم سِوى هذا الكتَاب.

ص159

إنّ نهايةَ هذا العمل تترك سؤالًا مهمًّا في رأيي ألاَ وهو: هل تَحرَّر «ناصر» فعلًا من مَاضيه؟ أم أنّ الكتاب نَفسه أصبح شكلًا آخر من أشكال الأسر الذي كان يعانِي منه؟ هنا تظهر لنا الكتابة التي أرادها «ناصر» كفعلٍ مخلِّص دليلاً على أنّ الإنسان قد لا يكون قادرًا دائمًا على تجاوز حكايتهِ ودفنها.

ملاحظَة مهمّة

لم أعِ بعدُ الطّائل من مشهد الجنازة أين يرى «ناصر» نفسه داخل تابوتٍ ثمّ يستيقظُ من كابوسه، وإن كان هذا المشهدُ أُريدَ به لحظةَ ذروة نفسيّة غيرَ أنّني وجدتُه مباشرًا شارحًا دلالتهُ بنفسه، لأنّ الانتقال من مشهدِ الحلم إلى الواقع مباشرٌ وسطحيٌّ جدًّا، ورغمَ أنّه يعتمدُ كليًّا على الرّمز لكنّه لم يُبنَ على الغموضِ الذي كان ليقدّم له قوّة تأويليّة جيّدة.

أخيرًا أقول

تمتلكُ رواية سيرة الظّل للكاتب «علي هجرَسي» مادّة حكائيّة غنيّة، وقد نجحت إلى حدّ بعيد في جَعل المَكان حاملًا للذّاكرة، وقد رَاقني كيف أنّ حضُور الكتابة قد منحها بعدًا ميتا-سرديًّا مهمًّا.

هذا العمل تجربةٌ سرديَّة لا بأسَ بها، وقد تمكّن كاتبها من تَحويل الأشخَاص الذين عَاشوا في الهَامش إلى مادَّة للحِكاية.

وصف الصورة
تعليق اختياري