تُعد رواية سلطة الحذاء الضيق الجزائرية (دار تدوينة للنشر والتوزيع، 2024) للروائي هشام بوشامة تصويرا سرديا لتحولات اجتماعية وسياسية عميقة، اجتهد فيه الروائي في مساءلة السلطة والهويات الفردية في لحظة تاريخية مأزومة، تبرز فيها إشكالية اختناق الذات تحت أنظمة القهر الاجتماعي والاقتصادي، متوسلا بلغة سردية تجمع بين الواقعية القاسية والتكثيف الرمزي الذي يبدأ من العنوان سلطة الحذاء الضيق بوصفه أول عتبة تأويلية تُفجر في ذهن المتلقي شبكة من التخمينات حول طبيعة الحكاية وأفقها الرمزي، جامعا بين «السلطة» كممارسة قهرٍ وهيمنة، و«الحذاء الضيق» كصورة خانقة ومهينة للجسد، إضافة إلى انتقاء الجلادة (الغلاف) التي عمقت هذا الإيحاء، عبر هيمنة اللون الأزرق، لون الهدوء والاستقرار وفق علم النفس (وهي دلالة معاكسة لمضمون الرواية)، وظهور أقدام موحدة في مظهرها دالة على محو الفوارق الفردية ووجود مسار واحد لها في إشارة دلالية إلى اتباع القطيع من صاحب حذاء مهترئ لا يماثل بقية الأحذية في جدّتها.
ترجم الكاتب هشام بوشامة باختياره هذه العتبة والحذاء ما يسميه ميشيل فوكو بـ«الميكروفيزياء السلطوية»، لأنّ تجسد السلطة روائيا كامن في تفاصيل يومية معيشة للجسد والحركة لا في مؤسسات عليا، مثل الحذاء الذي يتحكم في خطو الإنسان وفي راحته البدنية والنفسية. وربما يمكننا أن نذهب إلى أبعد من هذا في قراءة العنوان بربطه بمفهوم «رمزية الشرّ الصغير» عند بول ريكور لأنّ الحذاء يتحول من شيء بسيط إلى عامل حامل لدلالة قمعية كونية.
البنية السردية: جزائر ما بعد العشرية
بنى بوشامة روايته وفق بنية سردية متسلسلة الأحداث وتتابعية الزمن في سنتي (1999-2000)، مختارا شخصية «لطيف» لتمثيل الأنا الجمعي لفئة اجتماعية مسحوقة والذي يمكن عدّه صورة رمزية لجيل بأكمله، مستثمرا العاصمة الجزائرية كفضاء ما بعد العشرية السوداء، وزمنيا لنسج حبكتها على خلفية جرح اقتصادي واجتماعي غائر قد جعل أفراد الشعب من فرط دهشتهم بالأمن المفاجئ، يتوقفون عن التذمر كما يذكر السارد، مما يجعل من المكان والزمان عنصرين عضويين في مأساة لطيف الذي لم يستطع سوى تسليم منصبه لسليم، في إشارة ضمنية إلى ما يمكن أن يحدث للذات حين تألف التهميش.
من الامتثال إلى السقوط
يبدأ التحول الدرامي في الرواية في قرار لطيف الموظف البائس الامتثال إلى قانون المصنع الذي يجبرهم على لبس حذاء من إنتاجه والذي تتوقف مقاساته عند القياس أربعين، وهو المقاس الذي لا يناسب قدم لطيف، غير أنّه بعد ترك منصبه يسير إلى ما سماه مارتن هايدغر بـ«السقوط في العلنية» حيث يفقد الكائن/لطيف قدرته على التفرد لينغمس في السطحية والامتثال الأعمى لآراء الآخرين (الذين يمثلون في الرواية دوائر سلطة: الأم المتسلطة، سليم، المؤسسة الاقتصادية الظالمة، جميعها تمثل مصغرة) وهي الجماهير التي لا تؤمن بوجود الفرد المختلف، لذلك تسهم في سحقه باسم القيم الزائفة.
وعليه، يعيد بوشامة صياغة مقولة سارتر الشهيرة: «الجحيم هم الآخرون»، بوضع السارد/الكاتب الضمني شخصية لطيف في مجتمع استهلاكي مادي ذائبا في «القطيع المدجن/عمال المصنع» ما يجعله يعيش اغترابا عن ذاته وعن العالم المحيط به، ما يدفع بالذات/لطيف لاحقا نحو تدمير كرامته الإنسانية نفسها.
عندما يضيّع الرجال قوتهم يعرفون جيّدًا كيف يتظاهرون بها.
يعيش لطيف حياة محكوما فيها بنظرة الآخر فهو يقول: «عندما يضيّع الرجال قوتهم يعرفون جيّدًا كيف يتظاهرون بها»، لذلك استسلم أمام كبريائه ونصف ساعة من التصفيق (ص57)، ولا يمكنه أن يستمد قيمته الذاتية إلاّ به وما التحولات الكبرى في حياة لطيف (الاستقالة، النشل، التشرد، بيع النعناع) إلاّ تمثيل سردي للسقوط الأنطولوجي الحرّ نحو العدم، حيث تتفتت كل مقومات الهوية لا يمتلك صاحبها حتى حقّ اختيار مقاس حذائه.
ذروة العبث: الذات تقمع ذاتها
لتأتي الذروة الدرامية في الرواية حين يقطع لطيف أصابع قدميه ليتسع الحذاء له بدل التخلي عن الحذاء نفسه، وهو حدث يمثل ذروة العبث الوجودي، تصبح فيه امتدادات السلطة داخلية لأنّ الذات هي التي تقمع ذاتها، وتضحي بجسدها من أجل الحفاظ على موقعها الرمزي رغم الإذلال الذي فيه، ولعلّ الروائي قد اعتمد على مفهوم فرويد لـ«غريزة الموت» التي تدفع الذات عند إصابتها بالإحباط المتراكم الإنسان إلى تدمير ذاتها للانعتاق من الألم النفسي غير المحتمل. وهي النهاية السردية المغلقة التي اختارها الروائي بوشامة، بتدمير الذات الحرفي، ما منح الرواية قوتها الوجودية في جعل الألم الفردي سؤالا إنسانيا شاملا عن معنى الحياة في عالم مادي.
بين ثراء الوصف ونقد التحوّل
اتسم النص بالثراء في السرد الوصفي والتفاصيل اليومية الدقيقة فأظهرت قدرة الكاتب على ملامسة الواقع من الداخل: برائحة المجاري، صخب الأرصفة، وجوه المقاهي، تفاصيل المعاناة اليومية التي تتحول إلى مادة فنية مكثفة، مما يحقق للقارئ اندماجًا حسيا في عوالم الرواية، بيد أنّ المغالاة أحيانا في تكرار صور الإذلال والألم، رغم ما تحققه من تثبيت للحالة الشعورية، تنهك النسق السردي لأنّها تغلب الوصف على السرد.
قدم بوشامة نقدًا مريرًا للانتقال الوحشي من اقتصاد اشتراكي منهار إلى رأسمالية جامحة، عبر رمز المصنع المتحول، وتغير الألوان والأسماء، فيستبدل اللون البني الأصفر (الاستقرار والأصالة) بالأزرق البارد (الاغتراب والكآبة)، ويتغير اسم المصنع من اسم جماعي (الشركة الوطنية) إلى اسم فردي استثماري (مصنع جلال)، في إشارة إلى تغول الفردانية الرأسمالية.
سؤال الحرية المفتوح
يعبر قطع لطيف أصابع قدميه طوعًا عن خضوع جسدي لحذاء ضيق بمرارة فاوستية — خضوع الكينونة نفسها لنظام اجتماعي لا يرحم. ومن هنا، تصوغ الرواية سؤالا مفتوحا عن إمكانية استعادة الإنسان لحريته أمام سلطات تمارس العنف الرمزي بمفهوم بورديو.
بهذا العمل إذن، كرّس بوشامة مكانته ضمن جيل من الكُتّاب الجزائريين الذين يكتبون هشاشة الذات بوصفها مأساة كونية، تتجاوز المحلي إلى أفق إنساني مشترك. لتمثل روايته سلطة الحذاء الضيق دعوة صامتة للتفكير في الحرية، وفهم حدودها، وتحدي نظام قائم يستمر في قهر الذات البشرية حتى في أبسط تجلياتها اليومية.





