أولاً: الرواية الجنيسة وتوليد الأشباه

في ظل نص مرجعي قائد، تسير رواية الريميتي (أناشيد الجمر والنار) على هدى مسار رواية الأحدب نوتردام لفيكتور هوجو، وهذا دون تناص أو تقاطع أو حتى نص موازٍ، بل إن الكاتب يصرح بذلك علناً في روايته، التي تقتفي بنية نظيرتها الفرنسية الكلاسيكية.

لكن التعسف الحاصل هنا، هو أن الكاتب أسقط ثقافته وشخصيته المولعة بالأدب العالمي على بطلته الريفية اليتيمة وراعية البقر في قرى سيدي بلعباس (سعدية بضياف) وجعلها تلهج برائعة فيكتور هوجو، وشخصياتها طوال الرواية، تماماً مثلما جعل الكاتب بطلات رواياته السابقة بما فيهن حيزية البدوية الخالدية، حاملات لثقافته الأكاديمية، مولعات مثله بروائع الفنون والآداب العالمية، وإن لم يكن الزمن الاستعماري، وبدوية حال المرأة الجزائرية آنذاك، يسمح لهن بحمل تلك الثقافة، لتكن نسخاً نمطية لثقافة الكاتب مهما تعددت هويات الشخصيات والأزمنة والأمكنة والأجناس.

فمن حيث شخصيات الرواية المرجعية (أحدب نوتردام)، يعلم الجميع أن بطلتها هي المغنية والراقصة الغجرية الجوالة إزميرالدا، ومن هنا يبدأ الجناس في البنية الروائية لنص الريميتي، حيث بنيت شخصية الريميتي بطلة الرواية شكلاً على نمط مغنية غجرية جوالة، لا فرق لديها بين الغناء في بارات المستعمر ولا في وعدات وأضرحة الأولياء ولا في أعراس الزواج والختان، ولا في قاعات السينما أو صالات الحفلات داخل الجزائر وخارجها.

ولتعزيز صورة الغجرية المرتبطة ببتر الأصول وتفكك العائلة وهي شائعة لدى الغجر (سواء في الواقع التاريخي لهذه القبائل أو في رواية الأحدب نوتردام لفيكتور هوجو) جعل الكاتب بطلته (سعدية بضياف المدعوة ريميتي) تكرر عبارتها اللازمة:

ماعنديش با، ماعنديش ما.

ص17

وأنا لا ولي عندي من ساعة موت الوالدة والوالد.

ص25

أنا ماعندي لا أب لا أم.

ص89

وكلها توكيدات متتالية على نقطة جوهرية في بناء هذه الشخصية، وهي يتمها منذ صغرها، وامتهانها الغناء كمطربة جوالة، تسيل لعاب الذئاب البشرية، وتتعلق روحياً بالأحدب جلول ولد الخالة مسعودة. اقتفاءً واقتداءً بخطى إزميرالدا في رواية فيكتور هوجو التي فقدت الوالدين واعتنقت الغناء والرقص الجوال، فأسالت لعاب الذئاب البشرية الفرنسية، لتلوذ بالأحدب كوازيمودو وتتعلق به تعلق الجميلة بالوحش.

وهو طباق نصي متكامل بين الروايتين والذي يثبته الروائي نفسه في عديد المقاطع من هذا النص.

ثانياً: صورة الأحدب في عيون الفنانة الغجرية الجوالة (السند الروحي والعاطفي)

بعيون بطلة الرواية ريميتي، يرسم لنا الكاتب الصورة المورفولوجية لبروفايل جلول الأحدب المرابطي (القصاب الأول للريميتي في شبابها) من عدة زوايا:

بمجرد ما غادر موسطاش المكان، حتى ركضت سعدية قفزاً نحو جلول: «خويا جلول المرابطي، قصابي الحنين أيام سيدي عابد ههه» قالت وهي تعانقه تحت دهشة مارشال: «هذا أخي الوحيد الذي يسمع لآلامي وأفراحي».

ص23

يا جلول، أنت قلبك طيب وأنا لا ولي عندي من ساعة موت الوالدة والوالد.

ص25

ويستمر إعجاب الغانية الجميلة بالوحش الأحدب حتى يبلغ درجة طلبه الزواج منها.

وهو السر الذي كان يخفيه كوازيمودو في رواية الأحدب نوتردام، وفهمته إزميرالدا، التي وُجد معها في القبر بعد موته. يقول جلول متماهياً مع مسار نظيره كوازيمودو:

— قلت لك زمان، اخطيك من جده، وتعالي نتزوج معاً. — هههههه تتزوج وحدة مشركة مقطعة؟ حنى جلول رأسه قليلاً كمن أصيب بخيبة، بينما غرقت سعدية في قهقهات طويلة.

ص26

وعن سبب ظهور حدبته تحكي البطلة ريميتي:

مسكين أبوه هو السبب، خلاه تحت شجرة نائماً، تلوى عليه حنش مليح ماقرصوش، ولولا خالتي سعدية كان مات، من يومها اعوج ظهره وكبر هكذا... يتصارع مع الدنيا، خيّر وكريم ومايحبش الظلم، قلبه حار.

ص88

ويعتبر هذا الاستدعاء الصريح لشخصية أحدب نوتردام على لسان البطلة، نوعاً من إرادة توجيه قارئ الرواية، نحو أفق يجعل من البطلة الروائية ذات ثقافة روائية وعلى اطلاع بالأدب العالمي، وأعتقد أن هذا مدخل ينشز كثيراً عن طبيعة شخصية البطلة البدوية، وهو ينسجم أكثر مع ثقافة الكاتب نفسه، الذي دخل بالرواية وبطلتها في عمق سجال روائي حول الأدب الكلاسيكي الفرنسي، غريب وناشز عن السياق الروائي.

ثالثاً: دخول رواية الأحدب نوتردام وقصة كوازيمودو كتوجيه نصي يحدد معالم العلاقة بين الريميتي وأحدبها جلول

في مشهد يستدعي شخصية كوازيمودو تمثيلاً وخطاباً، يرسم لنا الكاتب هذه اللوحة الجنيسة في الرواية:

فجأة رأت من الشباك، جلول الأحدب وهو يركض خوفاً، إقلاع القطار وخسران رؤية سعدية، خرجت إليه وهي تستغرب هذا الجنون... واش هذا الحب المجنون؟... أنت هو أنت يا أحدب نوتردام... قالت امرأة كانت تقرأ كتاب فيكتور هوجو «اليوم الأخير لمحكوم بالإعدام» سمعت محاورتهما: — إيز.. مي.. را.. لدا.. كوازيمودو — برافو تمام.

ص131

ومع النشاز الواضح في لغة الريميتي التي أنطقها الكاتب في زمن الاستعمار بلهجة غربية (برافو) وأخرى مشرقية (تمام) لا تمت بصلة للهجة المنطقة ولا الجزائر لا قديماً ولا حديثاً، فإن دخول الفتاة البدوية (مثل الريميتي آنذاك) في مناقشة شأن روائي وبناء شخصية من الأدب العالمي، مع الضابط الأمريكي مارشال، ومع رفيقها جلول، ومع امرأة فرنسية في القطار، زاد الشخصية البدوية البسيطة إرهاقاً وهجنة وثقلاً ونشازاً، بل وغرابة عن طبيعتها البدوية الجزائرية، وهي أبعد ما تكون - من حيث الثقافة والتكوين والمحيط - عن نقاشات فنية في الرواية الكلاسيكية الفرنسية، التي يبدو أنها ولع شخصي للكاتب أسقطه بلا مراعاة لثقافة العصر، ولا لتكوينية شخصية الريميتي بطلة روايته، لتصبح ثقافة الكاتب (ومواضيعه النقدية المفضلة ونقاشاته الأكاديمية في الأدب العالمي الذي يولع به في كل أعماله) هي البطل الحقيقي المهيمن على خطابه في مختلف رواياته، والذي طالما ألبسه لشخصيات بدوية جزائرية أراد أن يتناول سيرها الذاتية داخل بيئتها (مثل حيزية والريميتي) لكن ظل يلبسها خطابه هو كمثقف أكاديمي مولع بالأدب العالمي، ونقاشاته في الفن والأدب والنقد، بشكل لا يمكن أن يحمله وعي أو تكوين أو ثقافة وسياق تلك الشخصيات البدوية البسيطة الناشئة من عمق الأرياف وحياة الرعي في المجتمعات الموغلة في بدويتها قبل الاستقلال.

ثقافة الكاتب هي البطل الحقيقي المهيمن على خطابه في مختلف رواياته.
— اسم كاتب المقال

لنرى الشابة البدوية (ريميتي) بعد صفحة من ذلك النقاش في الأدب العالمي وقد تبنت الأدوار وصارت تنادي جلول بكوازيمودو:

حبيبي كوازيمودو الرائع، قلت لي إنك لا تستطيع ترك عملك.

ص133

والأغرب أن قصة كوازيمودو هي التي أنقذت البطلة ريميتي من الضياع في شوارع وهران وهي تطأها أول مرة، حين رموها في قطار وهران مطرودة من غليزان. يقول الكاتب:

قامت مذعورة، بالكاد حملت حقيبتها ونزلت، فكرت طويلاً عند من ستذهب... لمعت في ذهنها الأستاذة التي التقتها في محطة القطار مع جلول، وشرحت لهما قصة أحدب نوتردام وحبيبته إزميرالدا، بقيت في ذهنها كلمة كاتدرائية، واسم مدام بارتولي، مديرة مدرسة البنات.

ص208

وعلى نفس خطى رواية حيزية التي التقطتها مديرة مدرسة الرقص للبنات في بسكرة (والتي لم توجد يوماً في تاريخ المنطقة لا ماضياً ولا حاضراً، ورغم ذلك ألصقها بالشخصية النسوية البدوية الصحراوية)، ها هو واسيني يختلق لبطلته الريميتي نفس البنية الثقافية والمكانية والشخوصية، مستعيراً هذه المرة أجواء كاتدرائية نوتردام بباريس، ليلصقها ببطلته الريميتي. لتكون الكنيسة هي حاضنة الفن والثقافة واللجوء لبطلاته البدويات حينما ترتحلن أو تضعن، وهو نفس البناء والمسار والمصير الذي عرفته شخصيات سابقة للروائي مثل شخصية مريم في رواية سيدة المقام حينما احتضنتها معلمة الرقص الروسية وآوتها.

وهو نمط سردي يكاد يحضر في كل روايات الكاتب مهما كانت البيئة بدوية، صحراوية أو حضرية حتى بات مألوفاً وملصقاً بطريقة تكاد تكون آلية، لا تخضع لأي شرطية أو ظرف زمكاني تمليه الخصوصية السيرذاتية أو الحقيقة التاريخية للشخصية، أو المنطق السردي ذاته في نمطية مكرورة ومتسلطة ومفروضة أملتها ثقافة الكاتب بعيداً عن ثقافة شخصياته. ولعل المثال الفني الثاني في استدعاء شخصية المغنية الأمريكية إيلا فيتزجيرالد يوضح آلية الاستدعاء ومنطق المطابقة عند الكاتب بشكل أبلغ.

رابعاً: استحضار حياة المطربة الأمريكية إيلا فيتزجيرالد لتكون عرابة البطلة الشيخة ريميتي - المطابقة والنشاز

وفي مطابقة أخرى، نجد في رواية الريميتي، حضوراً قوياً لمطربة الجاز الأمريكية إيلا فيتزجيرالد (1917-1996)، التي أظهرتها الرواية عرابة للريميتي وقدوتها، بل جعلت من المطربة الجزائرية (الشيخة الريميتي) مجرد ظل لها.

وتبدأ المطابقة الجناسية بين المطربتين انطلاقاً من مقارنات، وصفها الكاتب بالتقاطعات، وافترض لها تشابهات هذا منطقها:

عندما دخلت سعدية كان صوت إيلا فيتزجيرالد في قمة صعوده.. يملأ كل الزوايا كما لو كان صوتاً إلهياً ينبعث من السماوات... سبحان الله ما كانت تقوله، أقوله أنا يومياً، هي وجدت من يسمعها ويرفعها إلى أعلى، وأنا وبنات جيلي ما وجدنا يداً رحيمة غير اللي يصفع ويغتصب... غريب تتحدث عن نيويورك وناسها كأنك تحكي عن بشر سيدي بلعباس، وتسالة وغيليزان وسيدي عابد، كم يتشابه البشر... هي فقط كان عندها حظ اللقاء بالساكسوفونيست بيني كارتر دفع بها إلى الأمام... ونحن كبرنا أيضاً مع المداحات وذكر أولياء الله الصالحين... شعرت بتقاطع عميق مع صوتها الشجي. (ص35-38)

يأتي دخول المطربة الأمريكية (الليدي إيلا) على المطربة الجزائرية (الشيخة ريميتي)، من بوابة الضابط الأمريكي الذي جعل الكاتب من الريميتي تأوي إلى بيته كمعدة منزل ومتعهدة لأبنائه، فجعلها تعجب بها، كصوت وكمحنة، لكن أن يتحمس الكاتب ويشابه الشعب القروي في سيدي بلعباس (تسالة) وغليزان وسيدي عابد بالشعب الأمريكي في نيويورك، فأعتقد أن المطابقات هنا لا تجد أي مبرر أو مسوّغ لا ثقافي ولا سردي ولا تاريخي يمكن أن يتقبله قارئ الأدب العالمي، وأعتقد أن الروائي ينحو أكثر إلى إدخال الثقافة الفنية التي يولع بها كمثقف عالمي إلى أجواء روائية ذات بيئة مختلفة تماماً عن تلك الثقافة التي يريد الحديث عنها، فيحاول أن يفرضها على نصه دون مراعاة المنطق السردي الذي يحتملها، ويسوّغ لها أدنى ظروف الانسجام.

وصف الصورة
تعليق اختياري

ولا يمكن أن نضع مشابهة قبائل البوادي في سيدي بلعباس وغيليزان بشعب نيويورك إلا كما نتقبل النقاش النقدي للفتاة البدوية الريميتي مع الفرنسيين والأمريكيين حول شخصيات فيكتور هوجو. وهو منطق من المطابقات المتسلطة على ذهن الكاتب، تمتلئ بها روايته، ليضعها في سياق ثقافة عالمية. لكن أعتقد أن الجناس السردي مهما كانت عناصر التشاكل فيه، يقتضي حداً أدنى من الانسجام البنيوي، والفكري والجمالي كي يدخل في مسار المنطق السردي وحبكة أحداثه التي تستقي إيهامها بالواقع من بنية الشخصيات وسياقها الثقافي الذي هو امتداد طبيعي لتركيبتها الفكرية والاجتماعية وحاضنتها الثقافية. وهنا بالتحديد يكمن الإشكال في تركيب تلك الموضوعات الثقافية التي تم إسقاطها على الرواية وأريد من الشخصيات أن تتطابق معها وتستجيب لشرطية جناسية وطباقية مع ما تحمله من تناشز سياقي وثقافي وتكويني.

استخلاص

ختاماً، ما حدث في هذه الرواية، كان عبارة عن إسقاط سردي ثلاثي الأبعاد:

  • إسقاط البناء الروائي الغربي (لرواية فيكتور هوجو: أحدب نوتردام) على الخطاطة السردية لنموذج الريميتي وظائف وحالات.
  • إسقاط بنائي للنماذج الإنسانية والكراكتر في تشكيل الشخصيات شكلياً ونفسياً واجتماعياً.
  • والإسقاطان السابقان أنتجا الإسقاط الثالث، وهو الخاص بخطابات الشخصيات نفسها، التي - بتأثير من طريقة بنائها الشكلي والنفسي والاجتماعي - تبنت بدورها قصة أحدب نوتردام، في تخاطبها وحواراتها، وصارت شخصياتها تتحاكى فيما بينها مقاطع من رواية فيكتور هوجو، بصراحة ومباشرة وتقمص معلن، أمام القراء دون أية رمزية أو تناصية أو تلميح تقتضيه التداخلات النصية والاستعارات البينية للنصوص في فنون الكتابة.

ليتشكل نمط جنيس يعيد تشكيل الرواية المرجع التي تم إسقاطها بشكل معلن تصرح به الشخصيات في النص، ويقوم هذا الأخير على مجانسته معنى ومبنى وخطاباً.

وصف الصورة
تعليق اختياري