يمكن تصنيف هذه الرواية في مصاف الأدب الجزائري الذي يستثمر في الموروثات الثقافية، لا سيما الصوفية، وذلك من أجل بناء تساؤلات فلسفية عن الزمن وعن الذاكرة بالإضافة إلى تساؤلات حول الحضارة. ومن الجميل أن يتحول فعل القراءة أو الكتابة إلى موضوع سردي شيّق، إذا ما كان البناء الدلالي والفني كافياً لإرسال تلك الرسائل الحضارية نحو القارئ.
الكتب وحدها تعيد ميلاد الأشياء وحياتها كل لحظة.
الرواية داخل الرواية
ترتكز البنية السردية في هذا النص على التضمين، أو الرواية داخل الرواية، ومخطوط داخل آخر، وهذا ما يجعل رواية الفصول المؤجلة فضاءً يتجاوز فيه الكاتب الأزمنة وتتداخل فيه الأحداث، يمتزج فيه الواقع بالمتخيل، الماضي بالحاضر، وتظهر فيه الأقدار المؤجلة في حياة الشخصيات. لا بد أن يعي القارئ أن اختيار مدينة بوسعادة في هذه الرواية كان موفقاً لما لها من مخزون صوفي وثقافي والذي يمنح النص هوية واضحة وخاصة. نجحت المدينة في إظهار قدرتها على احتضان الثنائية في النص، بين الشماليين وبين الجنوبيين، بين الأصالة والعصرنة، بين الروح والمادة، بين العقل وبين القلب. وإظهار العلاقة الوراثية الواضحة، من جيل إلى آخر.
تعلمت من يومها ألا أحضن الأشياء بشكلٍ مفرط، وأن أترك مسافة أعود إليها حين أصاب بالخيبة.
نقاط القوة
إن نقاط القوة في هذا النص هي الأصالة في الطرح، وجرأة السرد الميتافيزيقي، بالإضافة إلى خصوبة الفضاء الصوفي والطموح في التساؤل الفلسفي الذي تجسد في شخصيات الدراويش وصاحب المعطف الأسود وحتى في الشخصيات - الطبيعية - كالبرّاح. نجح الكاتب - خاصة في النصف الأول من الرواية - في تجاوز عتبة التشويق، وبناء هرم قصصي من ثلاثة أزمنة مختلفة، لكنها مرتبطة بشكل وثيق بحزمة من الأحداث والشخصيات، التي قد تظهر أنها متداخلة لكنها في حقيقة الأمر متوازنة إلى حد بعيد. بالإضافة إلى ذلك، ذلك المزيج من الغموض والسلاسة الذي ميز تلك التحولات الزمنية في بناء الحبكة الروائية بين ثلاث فترات زمنية.
روح مدينة بوسعادة
يمكن تقسيم هذه الرواية من ناحية البناء إلى قسمين أساسيين، في الجزء الأول، برع الكاتب سليم بن أعمارة في تجسيد روح مدينة بوسعادة وتوظيف الأحياء والتاريخ والفن فيها، إضافة تلك الصور عن التقاليد والسينما والفن بصورة تجذب القارئ وتجعل من البنية الفنية للنص واضحة، تدفع القارئ نحو الأمام. كما أنه نجح في رسم تلك الصورة عن المدينة، بما تحمله - بوسعادة - من ثقل ثقافي وحضاري. في هذا الإطار، وددتُ لو استثمر الكاتب في عنصر أو اثنين بدل التكثيف.
هذا النص وإن كانت بوسعادة هي الحيز الوحيد فيه، إلا أنه يرسم صراعاً أعمق، صراع الحضارة.
أيضاً، يجب التنويه إلى التجاذب والتنافر النفسي الذي اتسمت به الشخصيات، تلك التي رسمت الصورة كاملة عن ذلك الصراع «الحضاري». دأب الكاتب في تكوين دائرة من التجاذبات النفسية الداخلية، التي أضفت على النص بُعداً نفسياً صارماً يدفع القارئ نحو التفكير والتساؤل، لا حول الحبكة التي تتجه من خلالها الشخصيات فقط، بل حول ماهية الإنسان وسط كل تلك التجاذبات.
كنت أعلم أن الحب لا يُوثق. ولا يُمكن أن يُحصر في كلمات.
عتابان للكاتب
من جانب آخر يمكن القول، خاصة في النصف الثاني من النص، ابتداءً من الجزء الثالث من الفصول المؤجلة، نرى أن الكاتب لم يستطع مواكبة الأحداث وشخصياته التي خلقها في أجواء من الصراع، والتضاد. تحولت الثنائيات فيها وفي النص إلى أفكار مباشرة، تلك التي تسحب البساط من تحت أقدام القارئ وتجعله غير فاعل عكس ما كان عليه في الجزء الأول.
من جهة أخرى، وبناءً على الحوارات والشخصيات، فمن المشروع طرح التساؤل التالي: هل يتميز صوت الدراويش في رواية الفصول المؤجلة بما فيها جنان الرومي ووجوه السماء عن باقي الأصوات والرواة، لغةً وإيقاعاً؟ الإجابة هي لا، وهذا هو عتابي الأول للكاتب.
أما عتابي الثاني فهو أن الكاتب امتلك فرصة حقيقية لجعل النص أكثر - هدوءاً - بمعنى أن يترك فضاءً أكبر للقارئ حتى يتسنى له البحث عن الإجابات وبناء تخيلاته الخاصة والإجابة على الأسئلة المطروحة في الفصول المؤجلة وجنان الرومي سواء تعلقت بالشخصيات أم بذلك الصراع الحضاري بدل بسط كل تلك النقاط كأفكار جاهزة.
تجربة واعدة
في الأخير يمكن القول أن قراءة رواية الفصول المؤجلة هي تجربة واعدة لما تحمله من أبعاد مختلفة تمس الهوية الثقافية والاجتماعية والحضارية للمجتمع الجزائري، هذا النص وإن كانت بوسعادة هي الحيز الوحيد فيه، إلا أنه يرسم صراعاً أعمق، صراع الحضارة. نجح الكاتب في إعداد وجبة روائية غنية ومفيدة، تأخذ القارئ نحو بوسعادة، نحو الدراويش ونحو الإبداع والتدبّر في ماهية الإنسان وسط تقاطعات الحياة الكثيرة.





