حين قرأت رواية سيرة الظل للمرة الأولى، شعرت أنها رواية عن شيء لا يظهر كاملا. وفي كل مرة أعيد قراءتها أكتشف أنها عن حياة تقع بين الحضور والغياب وبين ما يظل عالقا في شبكة الصمت. وقد اختار الروائي علي هجرسي بداية الحكاية من قبر مباركة عمة البطل ناصر، لا من بداية حياته هو؛ فقد كانت الرواية تنبه منذ البداية بأن الحكاية لا تتعلق بشخصية واحدة بل بظلال الشخصيات والأمكنة، إذ لم تعد القرية التي عاش فيها ناصر موجودة.

هذه الرواية تحاول استرداد ما يوشك أن يمحى، بجعل فعل الكتابة نفسه جزءا من الحكاية، فيا ترى لمن ينتمي الظل حقا حتى تُكتب له سيرة؟

العودة إلى الذات يوم الوصول إلى القرية

يعود ناصر إلى قرية الماجن بعد سنوات سجنه، فيجد قرية طفولته تقشرت إلى واقع لا يعرفه، لكن المفارقة أن ناصر كلما وجد المكان متغيرا، ازداد تعلقه بالتفاصيل البسيطة التي صمدت.

في الرفقة التي يحصل عليها ناصر مع الحاج سعيد منذ وصوله، ندرك أن هذا الحاج يمثلنا جميعا بتشوقنا للاستماع إلى ما سيمر على لسان ناصر في جلسة الاعتراف، ليستعيد قريته قبل أن تضيع نهائيا في ذاكرة الأيام.

قرية الماجن بين حضن الوطن وأشواك الذاكرة

يمنح حضور رواية جورج أورويل الرواية بعدا سياسيا وتأمليا، إذ يرى ناصر في «فكرة الأخ الأكبر يراقبك» انعكاسا لحال عالم يخشى المراقبة، فتتحول الفكرة إلى عدسة لناصر ليقرأ الاضطرابات من حوله ويشعر بالمفارقات.

رسمت الرواية مفارقات واضحة في نفسية ناصر بين حنينه إلى قريته وبين إدراكه أنها تحمل أسباب مأساته كلها.

فأبوه يحيى كان يحب أرضه ولكنه لطالما سخط على العيش فيها، وفي المقابل، نجد عمته مباركة متشبثة بالأرض، وبينهما يقف ناصر ينتظر من الأيام أن تمنحه الخيار.

تتكرر المفارقة في صورة أخرى من خلال الهجرة، فهناك من يذهب إلى فرنسا، وهناك من يعود إلى أرضه، ومن لا يستطيع العودة، وكل رحلة تبدو في ظاهرها بحثا عن حياة أفضل، ولكنها ليست إلا اقتلاعا جديدا، لنجد أنفسنا أمام حقيقة أن الغربة ليست في الابتعاد عن الوطن؛ بل الابتعاد عن الذات التي كنا عليها قبل الرحيل.

كذلك تربط الرواية أشواك الأرض بفساد الذاكرة، فالحمراوي والكوموندو ولخضر ليسوا مجرد أشخاص يمارسون طمعهم، بل يمثلون لحظة يصبح فيها الوطن قابلا للاستحواذ؛ فيصبح الوطن من ذاكرة مشتركة إلى ملكية يتنافس عليها الجميع.

الغربة ليست في الابتعاد عن الوطن؛ بل الابتعاد عن الذات التي كنا عليها قبل الرحيل.
— إكرام حمادي

ومن أقسى المفارقات حين توصد الزنزانة على ناصر، ويدرك أن من كان يبحث عنه لسنوات طويلة هو السبب في دخوله السجن.

ظل الشخصيات المسكونة بالأسرار

وُزع الضوء على شخصيات كثيرة، وكان لكل شخصية سيرة.

فمباركة تؤكد معنى الرواية بأن الإنسان قد يموت، لكن ما لم يُروَ عنه سيموت معه، والأب يحيى هو وجه آخر للموت بفقدانه لذاكرته وفقدان قدرته على استعادة الحياة التي خرج منها في ذلك اليوم لتظل عائلته بانتظار ظله الذي أضاع طريق العودة لسنوات طويلة. وأما الحبة فكان صديق ناصر في سجنه، بمنحه العلاج لمقاومة النسيان، بينما رزيقة تمثل الحياة التي لن تكتمل.

أما مرزاق فهو صديق ناصر في أيام الجامعة والمجيب عن أسئلته التأملية، إلا أن الإجابات ستنقطع ذات يوم كالسراب المعقد الذي لا إجابة له.

حين تصبح الرواية سيرة لنفسها

لطالما كانت الكتب بالنسبة لناصر وسيلة لفهم الإنسان ومصيره، مثل رواية البؤساء لفيكتور هوغو ورواية نجمة لكاتب ياسين. ومستعيدا قراءة حكايات الآخرين، يبدأ ناصر الكتابة في السجن كيلا تضيع الأشياء بداخله، مكتفيا بمادة الصمت. وبعد انتهاء رحلة الكتابة يكتشف أن الإنسان قد يهرب من ماضيه لكن الكتابة لا تسمح له بذلك، فهي تحفظ ما أراد نسيانه، ولهذا يعزف ناصر عن الكتابة بسبب الإرهاق من حمل الذاكرة.

شخصية الظل الخفية في الرواية

الظل في الرواية يحمل قراءات عديدة، في مفاجآت ظهوره.

فهناك ظل الأب الذي غاب في الغابة ثم ظهر في فرنسا، وظل مباركة الذي لازم البيت بعد موتها، وظل القرية القديمة الذي يطارد القرية الجديدة، وظل السجن الماثل في ذهن ناصر بعد خروجه، وظل رزيقة بعد الفراق، وظل التاريخ الاستعماري الذي ظل حتى بعد انتهاء الاحتلال، وظل مرزاق الذي ضاع ذات نهار دون عودة، وظل من ليس لهم سير.

حتى في مشاهد الحلم يصبح الظل منطقة بين الذاكرة والواقع، فناصر لا يستطيع أن يفصل دوما بين ما يراه وما يتذكره في حلمه، كما حدث له مع الجازية.

فالجازية ليست امرأة فحسب؛ يمكن قراءتها على أنها رمز الوطن والمرأة والأرض المغتصبة، فهي ما آلم وفقده ناصر طوال الرواية بصورة رمزية. وهنا تصبح الجازية امتدادا للقرية نفسها بأن الجميع يريد امتلاكها، لكن القلة من يريدون فهمها، وهذا فعلا ما حدث للأرض في الرواية؛ فرواية سيرة الظل تُخرج ما بقي في الظل إلى مساحة الحكاية.

وبهذا، لم تكن رواية سيرة الظل لناصر فقط، بل عن الإنسان حين يحاول استعادة حياته من ذاكرته. وإن الإنسان لا يترك الأماكن التي غادرها، بل يحملها في داخله، حتى حين يظن أنه نجا منها. ولولا أن الحكاية قررت رؤيتهم لباتت حيواتهم ظلا، ولهذا جاءت الكتابة لتعترف بأن هؤلاء كانوا هنا.